حيدر حب الله

107

دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر

بين الآيات ، بحيث يكون فهم العرب آنذاك للقرآن فهماً عربياً لكنّه تجزيئي ، لا فهماً لمجموع نصوص الكتاب في لحظةٍ واحدة حول موضوع واحد ، وهذا أمرٌ يحصل في مختلف النصوص واللغات ، وليس خاصاً بالكتاب الكريم ، ولو كان الفهم الأوّلي هو الفهم الأكثري بحيث لا فهم بعده يقدّم فكرةً إضافية ، لما كان هناك معنى لأن يتحدّث القرآن عن ضرورة تدبّر العرب والكافرين في القرآن الكريم قال تعالى : ( أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها ) ( محمد : 24 ) بناءً على فهم التدبّر بمعنى النظر والتأمّل . لكن ، ووفقاً للمرجعيّة السالبة لأهل اللغة وعرفهم في فهم النص ، يجب أن نميّز بين حالتين : الحالة الأولى : أن يأتي النص قائلًا : ( فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ ) ، ثم نوسّع معنى الطعام لكلّ رزق ، فهنا يكون الأمر محتملًا ، ويحتاج فقط لشاهد . الحالة الثانية : أن يقول النصّ : ( وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً ) ، ثم نجعل الغليظ تعبيراً عن المنيّ ، فيما الميثاق هو عبارة عن عقد النكاح ، فهذا شيء غير منسجم مع اللغة ؛ لأنّ اللغة تجعل غليظاً صفةً للميثاق ، ولا معنى للتوصيف لو فسّرنا غليظاً بمعنى ماء الرجل . فهناك فهمٌ لم ندركه لكنّه محتمل ، وهناك فهمٌ يستنكره أهل اللغة ، فالأوّل ممكن دون الثاني انسجاماً مع مرجعيّة العرف اللغوي . ومن هنا ، فمن يريد طرح تفاسير يسمّيها باطنيةً للقرآن ، عليه - إذا لم يعتمد طريقة الفهم العرفي التي بيّناها والتي تفتح على معاني كثيرة جداً وليس كما يُتصوّر من أنّها توجب تقليص الثروة القرآنية وشحّها - عليه أن يقيم الحجّة على منطقية أو علمية أو